ميرزا محمد حسن الآشتياني
199
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
المشتبهة كيف يقيّد بالقيد المذكور على تقدير تسليمه بعد استثناء المعلومات التفصيليّة إذ لا شاهد للتقييد المذكور أصلا على تقدير تسليم استناد العلم إلى الأدلّة مع أنه لا معنى له أصلا إذ ليس مفاد كل ما دل على وجوب شيء أو حرمته إلا تعلق الحكم الإلزامي به بالخصوص فكيف يحصل العلم الإجمالي من ملاحظة الأدلّة الحاكية عن الأحكام التفصيليّة فيها علم إجمالي بوجود الواجبات والمحرّمات بين الوقائع من غير مدخل للتمكّن من الوصول إليها بعد الفحص ومن هنا يدّعى العلم الإجمالي بوجودهما مع القطع بانسداد باب العلم والظن الخاصّ إليهما على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأول من التعليقة فهذا العلم حاصل لكل أحد من غير فرق بين الحالات والأزمنة والأمكنة [ في توضيح المناقشة المتوجّهة على الوجه الرابع ] ( وأمّا ) ثانيا فلأن الوجه المذكور على تقدير الإغماض عن المناقشة السّابقة أخصّ من المدعى جدّا لأنّه إنما يقتضي وجوب الفحص قبل الوقوف على ما يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيه من الواجبات والمحرّمات التفصيليّة لرجوع الشكّ بعد الاطّلاع عليه إلى الشكّ الغير المقرون بالعلم الإجمالي فإن المعلوم بالإجمال إذا كان مردّدا بين الأقل والأكثر لم يؤثر العلم بالنسبة إلى الزائد على الأقلّ حسبما عرفت في محلّه فلا مقتضى للفحص بعده على تقدير الاستناد إلى الوجه المذكور ومن هنا أوردنا على القائل بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة الحكميّة استنادا إلى العلم الإجمالي بوجود المحرّمات الكثيرة بين الوقائع المحتملة للتحريم بعد النقض بالشبهة الوجوبيّة إن هذا الوجه إنما يقتضي وجوب الاحتياط على تقدير تماميّته قبل الاطلاع على ما يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيه من المحرّمات التفصيليّة لا بعده فهو أخصّ من المدّعى فلا يجوز الاستناد إليه في الموضعين ( نعم ) هنا كلام آخر قد أشرنا إليه عند الكلام في حكم الشبهة التحريميّة وحاصله أن عدم جواز الاستناد إلى الوجه المذكور في الموضعين لما عرفت من الوجه ولغيره مما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة وإن كان ممّا لا غبار فيه أصلا ولا ينبغي الارتياب فيه جزما إلا أنه لا بدّ من معالجة العلم الإجمالي لمن يريد الرجوع إلى الأصول في مجاريها المنطبقة على موارد العلم الإجمالي عند من يجعله مانعا من الرجوع إليها في أطرافه إذا فرض عدم حصول العلم التفصيلي بالمقدار المتيقن من المعلومات الإجماليّة بعد الرجوع إلى الأدلّة العلميّة وقد ذكرنا العلاج على طريقة كلّ من القائلين بالظنّ الخاص والظن المطلق وأنّه بعد قيامهما على تعيين المقدار المتيقّن منها يكون في حكم العلم التفصيلي به فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في موارد فقدهما وذكرنا أيضا وما يتوجّه عليه من المناقشة فيما قدّمناه في الجزء الأول من التعليقة وفي هذا الجزء فليراجع إليه ( قوله ) قدس سره ثمّ إن في حكم أصل البراءة كل أصل عمليّ خالف الاحتياط إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا ينبغي الارتياب في قيام الإجماع على اشتراط الفحص في الرجوع إلى غير الاحتياط من الأصول في الشبهات الحكميّة سواء خالفت الاحتياط بأن كان مفادها نفي الحكم الإلزامي أو وافقته بأن كان مفادها إثباته تعيينا أو تخييرا بل هو مقتضى أكثر الوجوه المتقدّمة إن لم يكن مقتضى جميعها فالأولى في تحرير المقام أن يذكر بدل قوله خالف الاحتياط غير الاحتياط وإن أمكن إرجاعه إلى ما يطابقه بتمحّل بعيد [ في الإشارة إلى كيفيّة اعتبار العلم وحجّيته ] ( قوله ) قدس سره أمّا الأول فلعدم المقتضي للمؤاخذة عدا ما يتخيّل إلخ ( 2 ) ( أقول ) العلم في نفسه وإن كان خلقا كريما يستقلّ العقل بحسنه الذاتي كالشرع وقد تواترت به الأخبار والآثار من النبي المختار والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين إلا أنّ وجوب تحصيله بالنسبة إلى الأحكام الفرعيّة في حكم الشارع إنما هو من باب الإرشاد والطريقيّة كحكم العقل بوجوبه بالنسبة إليها كيلا يفوت منه الواقع وإن كانت له جهة نفسيّة كفائيّة من حيث حفظ الأحكام عن الاندراس وإن كان الغرض منه التعليم وإرشاد الجاهلين وهذا المعنى وإن كان خلاف ظاهر جملة مما ورد فيه في بادي النظر إلا أنّه يعلم إرادته من ملاحظة مجموع ما ورد فيه سيما ما ورد في تفسير قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وقد تقدّم نقله في الكتاب فلا بد من صرف ما يظهر منه خلافه وقد تقدّم منّا شطر من الكلام في وجوه مطلوبيّة العلم وعنواناته في الجزء الأوّل من التعليقة فلا نعيد القول فيه كما أنه تقدّم الكلام من شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره ومنافي قبح التجرّي أيضا وأن الذمّ فيه يرجع إلى الفاعل لا إلى الفعل حتى في التجرّي على المعصية مع العلم فضلا عن الاحتمال الذي لا يعذر فيه الفاعل وأمّا ما ذكره الشيخ وأبو المكارم وغيرهما قدّس اللّه أسرارهم من أن الإقدام على ما لا يؤمن كونه مضرّة في حكم العقل كالإقدام على ما يعلم فيه المضرّة فهو صحيح لا ريب فيه أصلا في الجملة إلا أن حكم العقل بعدم جواز الإقدام على محتمل الضرر الأخروي ووجوب دفعه حكم إرشاديّ صرف لا يترتّب على مخالفته وموافقته غير الضرر المحتمل على تقدير ثبوته وعدمه على هذا التقدير بل الأمر كذلك في الضرر الأخروي المقطوع بل حكم الشارع فيهما أيضا لا يمكن إلا أن يكون إرشاديا وليس مراد الشيخ ومن وافقه من القضية المذكورة إلا ما ذكرنا من إثبات أصل حكم العقل بعدم جواز الإقدام فينفع في الحكم بعدم المعذوريّة على تقدير ثبوت الضرر في نفس الأمر وأين هذا من الحكم باستحقاق المؤاخذة على مجرّد مخالفة الحكم المذكور ( نعم ) يثمر في تحقق التجري فإن الجاهل لو كان معذورا في مخالفة الواقع لم يتحقّق في حقه التجرّي بخلاف ما لو لم يكن معذورا هذا إذا أريد من الضرر ما يتعلّق بالآخرة كما هو الظاهر وإن أريد منه الضرر الدنيوي وإن لم يكن له تعلّق بالمقام على هذا التقدير فيتوجّه عليه بعد تسليم الصغرى والكبرى مع تطرق المنع إليهما في الجملة إن حكم العقل في المحتمل منه أيضا إرشاديّ لا يترتّب على مخالفته عقاب وهذا بخلاف حكمه في المقطوع فإنه وإن كان إرشاديّا أيضا كما هو الشأن في جميع أحكامه إلا أنه مستتبع لحكم شرعيّ مولويّ والفرق بينهما ظاهر فتأمل فلا بدّ أن يكون مراد الشيخ قدس سره وتابعيه أيضا من المقايسة إثبات أصل الحكم لا كيفيّته هذا مع إمكان أن يقال إن الإقدام على الضرر المعلوم إذا فرض خطاء العلم لا يكون حراما شرعيّا إلا على القول بحرمة التجرّي هذا وقد مضى شرح الكلام فيما يتعلّق بتحرير المقام في مطاوي كلماتنا السّابقة سيّما في الجزء الأوّل